محمد أبو زهرة

2057

زهرة التفاسير

وذكر إحاطة علم الله تعالى في هذا فيه إشارة إلى وجوب تطهير القلوب من الدنس ، وتنظيفها من الشر ، حتى لا تربد به وتطمس ، وفيه تنبيه إلى أنه من يريد السمع والطاعة عليه أن يتجه إلى قلبه ، ويشعر بأن الله عليم به ، مطلع عليه ، لا تخفى عليه خافية . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ معنى النص الكريم : يا أيها الذين اتصفوا بالإيمان بالله والخضوع ، وكان ذلك الإيمان عنوانهم الذي يعرفون به ، وشرفهم الذين يتشرفون به ، كونوا قوامين لله ، أي اجعلوا أنفسكم وإحساسكم ومشاعركم مطبوعة على أن تقوم لله ولأجل محبته سبحانه وطلب رضاه ، لا لهوى النفس ومنازع الشهوات ، وكونوا شاهدين بالحق ، لا تطلبون سواه ، وهذا هو المعنى الجلى المقرب لما اشتمل عليه النص الكريم ، وهو أعلى من أن تتسع عبارتنا لمعناه . وهنا ملاحظات بيانية يجب اعتبارها والإشارة إلى كمال الحكمة في عمومها : الأولى : كُونُوا فهو أمر بالكينونة بأن يجعلوا القيام لله تعالى ، والاعتبار به ، والأخذ بهديه جزءا من كيانهم ، وذلك بأن يستمروا على الطاعة ويديموا عليها ، فإن الدوام على الفعل والاستمرار عليه يجعل النفس تنطبع به ، ويكون جزءا منها ، فالأمر ب « كُونُوا » يتضمن الاستمرار والدوام ، وأحب الأعمال إلى الله تعالى ما أمكن الاستمرار عليه ، ليكون عادة للنفس بمنزلة الطبيعة ، فالعادة طبع ثان ، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل » « 1 » . ثانيهما : قوله تعالى : قَوَّامِينَ لِلَّهِ فإن قوام معناها : من يبالغ بالقيام بالشئ وإتقانه والإتيان به على الوجه الأكمل ، وكونه لله تعالى معناه أن تكون تلك المبالغة في الفعل لأجل الله تعالى ، لا شئ سواه ، وهذا يتضمن « أمرين »

--> ( 1 ) سبق تخريجه .